مولي محمد صالح المازندراني
274
شرح أصول الكافي
( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) ، وقال : ( يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاُولئك هم الخاسرون ) ، وقال : ( يوم يفرّ المرء من أخيه * واُمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) ، وقال : ( ولا تتّخذوا من دون الله وليجة ) ، وقال : ( ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة والروايات الصحيحة ، فإنّ بعضها يدلّ على أنّه ينبغي للمؤمن أن يتّكل في اُموره على الله تعالى لا على ما يتخيّل أنّه وسيلة لها من الأسباب ، وبعضها يدلّ على أنّه يجب عليه أن لا يفتخر بالقرابة والأنساب ولا يتعصّب لها ، وبعضها يدلّ على أنّ الاشتغال بالأهل والمال عن ذكر الله بعيد عن الصواب ، وبعضها يدلّ على أنّه ينبغي له أن لا يتّخذ وليجة ومعتمداً من دون الله ربّ الأرباب ، وبعضها يدلّ على أنّه يجب عليه الاجتناب من الظلم والافتراء على الله تعالى في جميع الأبواب ، ومن جملة ذلك الاعتماد في اُمور الدين على أهل الجور والطغيان والتمسّك في الأحكام بالقياس ; لأنّه اتّخاذ وليجة من دون الله وافتراء عليه بالكذب . ( إلاّ ما أثبته القرآن ) فإنّ كلّ ما أثبته القرآن من العقائد والأحكام والأخلاق والمواعظ والنصائح والزواجر ثابتة أبداً ومنافعها باقية غير منقطعة بانقطاع الدنيا وفناء الأبدان ومفارقة النفس عنها ، فيجب على المؤمن الطالب للحياة الأبدية والخيرات الدائمة الاُخروية والنجاة من العقوبات الروحانية والبدنية صرف العمر في تحصيل مطالبه ومقاصده من الكتاب وأهلة بالجملة : الإنسان في أوّل الفطرة خال عن الحالات كلّها قابل مستعدّ لها ، وتلك الحالات إمّا متعلّقة بالاُمور الدنيوية فقط أو متعلّقة بالاُمور الاُخروية ، ولكلّ منهما علل ومعدّات ومنافع وغايات وعلل الاُولى ومعدّاتها ومنافعها وغاياتها تنقطع بانقطاع الدنيا وفناء الأبدان كانقطاع حالاتها ، سواء كانت تلك الاُمور جائزة أو باطلة ، كالافتخار بالنسب والتعصّب والتمسّك بالبدعة والشبهة إلى غير ذلك من الاُمور الدنيوية المضرّة في الآخرة . وعلل الثانية ومعدّاتها ومنافعها وغاياتها تستمر وتبقى أبد الأبد كبقاء الآخرة وعدم انقطاعها ، وتلك الحالات وعللها ومنافعها كلّها قد أثبتها القرآن فوجب على المؤمن الرجوع إليه ، لكنّ بعضها ظاهر يدركه أرباب العقول الفاضلة وبعضها باطن لا يدركه إلاّ أصحاب العصمة ( عليهم السلام ) ، فلا بدّ للمؤمن الطالب للحقّ من رفض الحالات الاُولى كلّها والتمسّك بالحالات الثانية والرجوع فيما لا يعلم منها إلى أهل العلم ، سواء كان من اُصول العقائد أو فروعها ( 1 ) .
--> 1 - لكن يرجع في الاُصول إلى العلماء للتعلّم بالدليل وفي الفروع للتقليد . ( ش )